الشيخ محمد رشيد رضا
191
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والذين قالوا إن هذه الأمور تفطر كالحقنة ومداواة المأمومة والجائفة لم يكن معهم حجة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وانما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس ، وأقوى ما احتجوا به قوله « وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما » قالوا فدل ذلك على أن ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله ، وعلى القياس كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو غيره من حشو جوفه . والذين استثنوا التقطير قالوا : التقطير لا ينزل إلى جوفه ، وانما يرشح رشحا فالداخل إلى إحليله كالداخل إلى فمه وأنفه . والذين استثنوا الكحل قالوا : العين ليست كالقبل والدبر ، ولكن هي تشرب الكحل كما يشرب الجسم الدهن والماء . والذين قالوا الكحل يفطر قالوا : انه ينفذ إلى داخله حتى يتنخمه الصائم لان في داخل العين منفذا إلى داخل الحلق . وإذا كان عمدتهم هذه الأقيسة ونحوها لم يجز افساد الصوم بمثل هذه الأقيسة لوجوه : ( أحدها ) ان القياس وإن كان حجة إذا اعتبرت شروط صحته فقد قلنا في الأصول ان الأحكام الشرعية بينتها النصوص أيضا ، وإن دل القياس الصحيح على مثل ما دل عليه النص دلالة خفية ، فإذا علمنا بأن الرسول لم يحرم الشيء ولم يوجبه علمنا أنه ليس بحرام ولا واجب . وان القياس المثبت لوجوبه وتحريمه فاسد ، ونحن نعلم أنه ليس في الكتاب والسنة ما يدل على الافطار بهذه الأشياء فعلمنا انها ليست مفطرة ( الثاني ) ان الاحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بيانا عاما ، ولا بد أن تنقلها الأمة ، فإذا انتفى هذا علم أن هذا ليس من دينه وهذا كما يعلم أنه لم يفرض صيام شهر غير رمضان ، ولا حج بيت غير البيت الحرام ، ولا صلاة مكتوبة غير الخمس ، ولم يوجب الغسل في مباشرة المرأة بلا انزال ، ولا أوجب الوضوء من الفزع العظيم وإن كان في مظنة خروج الخارج ، ولا سن الركعتين بعد الطواف بين الصفا والمروة كما سن الركعتين بعد الطواف بالبيت ، وبهذا يعلم أن المني ليس بنجس ، لأنه لم ينقل عن أحد باسناد يحتج به انه